الجاحظ
272
المحاسن والأضداد
فلما نزلنا أراني طريقا عن يسار الطريق ، فقال : « ترى ذلك الطريق » ؟ فقلت : « أراه » ، قال : « فترى الخيم التي هناك » ؟ قلت : « نعم » ! قال : « فإنها في الخيمة الحمراء » ، فأدركتني أريحية الحدث ، فقلت : « واللّه إني آتيها برسالتك » ، فمضيت حتى انتهيت إلى الخيم ، فإذا امرأة ظريفة جميلة كأنها مهرة عربية ، فذكرته لها ، فزفرت زفرة كادت تنتقض أضلاعها ، وقالت : « أو حي هو » ! قلت : « نعم ، تركته في رحلي وراء هذا الطريق » ! قالت : « بأبي أنت وأمي ، أرى لك وجها حسنا يدل على الخير ، فهل لك في أمر » ؟ قلت : « فقير إليه » ! قالت : « ألبس ثيابي ، فأقم مكاني ، ودعني حتى آتيه وذلك عند مغيربان الشمس ، فإنك إذا أظلم الليل أتاك زوجي » ، فقال لك : « يا فاجرة ، ويا هنة ابنة الهنة » ، فيوسعك شتما فأوسعه صمتا . ثم يقول في آخر كلامه : « اقمعي سقاءك ، يا عدوة اللّه ، فضع القمع في هذا السقاء ، وإياك وهذا السقاء الآخر فإنه واه » ! قلت : « نعم » ، فأجبتها إلى ما سألت ، فجاء الزوج على ما وصفت ، وقال : « اقمعي سقاءك » فحيرني اللّه إن تركت الصحيح ، وقمعت الواهي ، فما شعر إلّا باللبن يتسبب بين رجليه ، فعدا إلى كسر الخيمة ، وحل متاعه ، وتناول رشاء من قد مدبوغ ثم ثناه باثنتين ، فجعل لا يتقي رأسا ولا وجها ولا رجلا ، حتى خشيت أن يبدو له وجهي ، فتكون الأخرى ، فألزمت وجهي الأرض ، فعمل بظهري ما ترى ، فلما تغيب عني ، جاءت المرأة باكية ، فرأت ما بي من الشر ، واعتذرت وأخذت ثيابي وانصرفت » . قال وحدث بهذا الحديث محمد بن صالح بن عبد اللّه ابن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه « بسر من رأى » ، سنة أربعين ومائتين ، وكان حمل من البادية إلى المتوكل فأطلقه ، وكان أعرابيا فصيحا ، فعجب منه ، وكان حسن الوجه نجيبا ، قلما رأيت في الفتيان مثله ، قال : كان منا فتى يقال له الأشتر بن عبد اللّه ، وكان سيد بني هلال ، وأحسنهم وجها ، وأسخاهم كفا ، وكان معجبا بجارية يقال لها « جيداء » ، بارعة الجمال ، فلما اشتهر أمرهما ، وظهر خبرهما ، وقع الشر بين أهل بيتيهما ، حتى قتل بينهما